أحمد بن علي القلقشندي

301

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

صادقة الهجوم ، صائبة الرّجوم ، تطلب المحل ما بين التّخوم والنّجوم ، وما زالت ترميه بأحجاره ، وتحترشه في أجحاره ، وتغزوه في عقر داره ، حتّى عفّت على آثاره ، وأخذت للحزن والسّهل بثاره . فيا أيّها المؤمن بالكواكب ، انظر إلى الدّيم السّواكب ، واسبح في لجج سيولها ، وارتح في ممرّ ذيولها ، وسبّح باسم ربّك العظيم الذي قذف بالحقّ على الباطل ، وأعاد الحلي إلى العاطل ؛ فبرود الظواهر مخضرّة ، وثغور الأزاهر مفترّة ، ومسرّات النّفوس منتشرة ، والدّنيا ضاحكة مستبشرة ، وأرواح الأدواح حاملة ، وأعطاف الأغصان مائلة ، وأوراق الأوراق تفصّل ، وأجنحة الظَّلال تراش وتوصل ، وخطباء الطَّير تروي وتخبر ، وشيوخ المحارب تهلَّل وتكبّر ، وإن من شيء إلا يخضع لجبروته ، ويشهد لملكوته ، وتلوح الحكمة ما بين منطقه وسكوته . فأما الخطاطيف فقد سبق هاديها ، ونطق شاديها ، وتراجع شكرا للَّه ناديها ؛ فعشّ يرمّ ، ولبنة إلى أخرى تزمّ ، وشعث يلمّ ، وبدأة توفّى وتتم ؛ وكأنّها حنّت نحو المشاهد ، وسابقت اللَّقالق إلى المعاهد ، فظلَّت اللَّقالق بعدها نزّاعا ، وسقطت على آطامها أوزاعا ، وأجدّت إقطاعا ، وأجابت من الخصب أمرا مطاعا ، وحازت من الحدائق والبساتين إقطاعا ؛ وسيغرّد في روضته المكَّاء ( 1 ) ، ويضحكه هذا الوابل البكَّاء ، وترومه فلا تلحظه ذكاء ؛ تحته من الأفنان النّاعمة قلاص ، وأحصنته من الخضراء التّبّعيّة دلاص ؛ فالويل لأهل الأقوال المنكرات ، والنّيل لأهل الثّناء والخيرات ، والمرعى والسّعدان ( 2 ) ، وأرض بكواكب النّور تزدان ، وبقاع تدين الغيث كما تدان ؛ أذكرها فذكرت ، وسكرت من أخلاقه فشكرت ، وعرّفها ما أنكرت ؛ كأنّما

--> ( 1 ) المكّاء : طائر صغير يألف الريف ، يجمع يديه ثم يصفر فيهما صفيرا حسنا ، الجمع : مكاكيّ . ( 2 ) نوع من النبات يدرّ حليب الإبل ، وفي الأمثال : « مرعى ولا كالسّعدان » .